تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٩ - مكاشفة اخرى باطن الغضب
مكاشفة اخرى [باطن الغضب]
و كلّ صفة الهيّة ١٩٩ و اسم ربّاني كما ان لها مظاهر و لوازم ايجادية فلها أيضا غايات و حكم مترتّبة عليها و ثمرات اخرويّة تنبعث عنها. فنقول: حكمة الغضب و باطنه الذي ينسحب عليه حكم الرحمة العامّة و يظهر منه الغاية الوجوديّة في المغضوب عليهم كما قال باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ امور ثلثة: وقاية و تطهير و تكميل اما النوع الأول و هو الوقاية فكصاحب الأكلة إذا ظهرت في عضو و قدّر أن يكون الطبيب والده أو صديقه فإنّه مع فرط محبته يبادر لقطع العضو المعتلّ لمّا لم يكن فيه قابليّة الصلاح و المعالجة فستراه يباشر الإيذاء الظاهر و هو شريك المتاذّى و لا مندوحة لتعذّر الجمع بين العافية و ترك القطع لما لم يساعد استعداد العضو على ذلك، و كذا في يد من لسعته الحيّة، و المعاصي بمنزلة الآلام و الآفات الحاصلة لباطن الإنسان من لذع حيّة الهوى و عقارب الشهوات الكامنة الذي سيظهر بصورها الخاصّة في نشأة القبر و البرزخ و غيرها فافهم ذلك و تذكّر:
«ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدى في قبض روح عبدي المؤمن يكره الموت و أكره مساءته و لا بدّ له من ذلك» [١]
و الوالد يظهر الغضب لولده رعاية لمصلحة و هو في ذاته غير غاضب و إنّما يظن الولد والده مغضبا لما يشاهد من الآثار الدالّة على الغضب عادة و الأمر بخلافه في نفس الأمر و إنّما ذلك لقصور نظر الولد قال اللّه تعالى وَ اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [٣/ ١٣١] فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ [٢/ ٢٤].
ألا ترى إنّ النار قد يتخذ دواء لبعض الأمر في الدنيا فهي وقاية و هو الداء الذي لا يشفى إلّا بالكيّ من النار.
فكما جعل اللّه النار وقاية في هذا الموطن من داء هو أشدّ منها في حقّ المبتلى به
[١] التوحيد للصدوق (ره): باب ان اللّه لا يفعل بعباده الا الأصلح: ٣٩٨.